تطرح قضية إدارة الموارد المائية في مصر أبعاداً هندسية واقتصادية بالغة الأهمية، في ظل استمرار مساعي الدولة لتعظيم الإنتاج الزراعي وتأمين الغذاء. وفي تحليل علمي رصين يرتكز على الأرقام والمؤشرات الحقلية، سلط الدكتور محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، الضوء على الوضع المائي الحقيقي ومستويات الكفاءة العالية التي تخوض بها المنظومة المائية المصرية تحديات الاستهلاك والإنتاج.
قراءة حاسمة في الميزان المائي وحصص القطاعات
تؤكد البيانات المائية أن الحصة التاريخية لمصر من مياه نهر النيل والبالغة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً تخضع لخصومات طبيعية إجبارية جراء فواقد النقل والتوزيع بالبخر والترسيب من أسوان حتى نهايات الدلتا، وهي فواقد لا تقل عن 5 مليارات متر مكعب سنوياً، ليتبقى صافٍ قدره نحو 50 مليار متر مكعب. وتذهب الاستخدامات المنزلية والصناعية للتزايد مع النمو السكاني لتستقطع ما بين 10 إلى 12 مليار متر مكعب سنوياً، وهو ما يترك للقطاع الزراعي والملاحة النيلية كميات تقل عن 40 مليار متر مكعب سنوياً من المياه السطحية.
وعلى الرغم من الاعتماد على المياه الجوفية العميقة غير المتجددة في الصحراء الغربية بمعدلات سحب آمنة ومستدامة تتراوح بين 3 إلى 4 مليارات متر مكعب سنوياً للحفاظ على الخزان لقرون قادمة، فإن المعدلات العالمية لاستهلاك الري للتدفقات الحقلية ترسم حدوداً واضحة؛ حيث يحتاج الفدان سنوياً لنحو 8000 متر مكعب في الري السطحي، و6000 متر مكعب في الري بالرش، وما بين 4000 إلى 5000 متر مكعب في الري بالتنقيط، وهو ما يجعل المتاح المائي يكفي عملياً لري مساحات محددة وفق أعلى مستويات الكفاءة الحقلية.

سر الكفاءة الاستثنائية لمنظومة الري المصرية
أوضح وزير الري الأسبق أن السر الحقيقي وراء تحقيق كفاءة منظومة مائية إجمالية تتجاوز 70%، وهي نسبة تزيد بكثير عن المعدلات المسجلة في دول المنطقة وقارة أفريقيا، لا يقتصر فقط على التقنيات الحقلية للري الحديث، بل يعود أساساً إلى الاستراتيجية المصرية الصارمة في تدوير وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي لعدة مرات بعد معالجتها وتنقيتها بتكاليف استثمارية ضخمة، وخلطها بالمياه العذبة.
كما تعتمد الدولة على استقطاب الفواقد الناجمة عن الرشح والتسريب وإعادتها لحوض المخزون الجوفي بالوادي والدلتا، ثم إعادة ضخها واستخدامها في أغراض الزراعة والشرب، وهو ما أتاح تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه داخل الحدود المصرية في ظل انخفاض نصيب الفرد إلى ما دون 500 متر مكعب سنوياً.
التعاون الإقليمي لاستقطاب الفواقد المائية
واختتم الدكتور محمد نصر علام طرحه بالتشديد على أن الحل الاستراتيجي المستدام يكمن في حتمية تفعيل التعاون الإقليمي بين كافة دول حوض النيل للحد من الفواقد الهائلة التي تبدد عشرات المليارات من الأمتار المكعبة في مناطق المستنقعات والبرك الاستوائية والاستوائية العليا. وأكد أن استقطاب جزء من هذه الفواقد الضائعة سيعود بالنفع المباشر والزيادة المؤكدة في الإيراد الطبيعي للنهر لصالح جميع دول الحوض، بما يخدم التنمية الشاملة ويدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لدول المنطقة.

















