
لحظة إعلان النصر الزراعي والصناعي على فجوة الاستهلاك
حين وقفت القيادات الزراعية والصناعية في مصر مطلع عام 2026 لتعلن انتهاء عصر استيراد السكر الأبيض بالكامل وتحقيق إنتاج محلي قياسي لامس 2.9 مليون طن، كان ذلك إيذانا بإسدال الستار على عقود طويلة من التبعية لأسواق السكر في أمريكا اللاتينية وآسيا. عاشت مصر لسنوات تحت وطأة عجز سنوي مزمن يتراوح بين 350 إلى 400 ألف طن من السكر الخام تضطر لشرائه بالعملة الصعبة من البرازيل والهند لتأمين حصص البطاقات التموينية وتلبية طلب مصانع الصناعات الغذائية، في مجتمع يسجل فيه استهلاك الفرد نحو 32 كيلوجراما سنويا، متفوقا على المعدلات العالمية بنسب لافتة.
لم يكن سد هذه الفجوة وليد مصادفة مناخية، بل كان نتيجة تحول هندسي واستثماري شامل أعاد توزيع الخريطة المحصولية؛ حيث تقدم بنجر السكر ليتصدر المشهد الإنتاجي بنسبة تتجاوز 65 في المئة من إجمالي المعروض الوطني بمساحات فاقت 650 ألف فدان، متكاملا مع قصب السكر التاريخي في صعيد مصر الذي أعيدت هيكلته عبر الشتلات المعتمدة ونظم الري الذكي.
العبقرية البيولوجية: لماذا تفوق البنجر في معادلة المياه والتربة؟
تكمن القوة الاقتصادية لبنجر السكر في كفاءته المائية الاستثنائية التي تلائم واقع الفقر المائي؛ فالقصب محصول شتوي صيفي يستهلك نحو 9 آلاف متر مكعب من المياه للفدان الواحد ويشغل الأرض لمدة عام كامل، في حين لا تتجاوز الاحتياجات المائية لفدان البنجر 2800 متر مكعب طوال فترة مكوثه البالغة ستة أشهر فقط، مما يعني إنتاج ثلاثة أضعاف كمية السكر من نفس كمية المياه المتاحة.
كما أظهر البنجر قدرة خارقة على استصلاح الأراضي ذات الملوحة المرتفعة في كفر الشيخ والدقهلية والبحيرة، وتأقلم بسلاسة مع التربة الرملية الجيرية في الظهير الصحراوي لغرب المنيا والفيوم والواحات، محققا نسب استخلاص سكر تتراوح بين 18 إلى 20 في المئة عند ضبط التسميد البوتاسي وتوقيتات القلع.
قلعة غرب المنيا: أكبر مجمع صناعي لمعالجة السكر في العالم
تعد تجربة مجمع القناة للسكر غرب محافظة المنيا نموذجا فريدا للاستثمار الزراعي الصناعي المتكامل؛ حيث يضم المشروع مزرعة صحراوية تستصلح 180 ألف فدان ترتبط بمصنع هو الأكبر عالميا بخط إنتاج منفرد، باستثمارات تخطت مليار دولار. يعالج المصنع يوميا أكثر من 36 ألف طن من الجذور عبر خطوط غسيل واستخلاص مؤتمتة كليا تفرز البلورات البيضاء دون فواقد، لينتج بمفرده 900 ألف طن سكر سنويا.
وتتوسع مكاسب المشروع لتشمل تصدير تفل البنجر المجفف والمولاس إلى أوروبا والصين كأعلاف ممتازة للماشية ومدخلات لصناعة الكيماويات، مما يحقق عائدا دولاريا سنويا يتجاوز 150 مليون دولار يدعم الاحتياطي النقدي للبلاد.
تجديد شباب قصب الصعيد بمحطات الشتلات الذكية
في المقابل، حافظت الدولة على استقرار زراعة القصب في قنا والأقصر وأسوان عبر إنشاء محطات إنتاج الشتلات المعتمدة والمكاثرة بالأنسجة في كوم أمبو ووادي الصعايدة بطاقة 200 مليون شتلة سنويا، مما رفع إنتاجية الفدان من 30 إلى 55 طنا، مع خفض مياه الري بنسبة 40 في المئة بفضل الري بالتنقيط، ليضمن تدفق مليون طن سكر قصب نقي لمصانع نجع حمادي وقوص وإدفو سنويا.


















