يشهد موسم جني القطن في مصر هذا العام حالة من الجدل الواسع، تتقاطع فيها لغة الأرقام الرسمية والجهود الإرشادية مع شكاوى المزارعين الذين يواجهون تحديات اقتصادية وتراجعاً في الإنتاجية ببعض المناطق. وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة لاستعادة المكانة العالمية للذهب الأبيض عبر منظومة الحلقات التسويقية والتوصيات الفنية، يبرز تفاوت كبير بين عوائد المزارع وتكاليف الإنتاج المرتفعة.
تفتح “منصة الغذاء” هذا الملف الاستقصائي لنقل نبض الحقل المصري، ومواجهة الرؤية الرسمية لقطاع الإرشاد والبحوث الزراعية بشكاوى المزارعين على الأرض.
التحرك الرسمي ويوم جني “جيزة ٩٤” في المحلة الكبرى
نفذت مديرية الزراعة بالغربية يوم جني لمحصول القطن صنف «جيزة ٩٤» بأحد الحقول بناحية ميت الليث بمركز المحلة الكبرى، وبإشراف المهندس حسام الدين محفوظ وكيل وزارة الزراعة بالغربية.
شهد الفعاليات نخبة من القيادات الزراعية والبحثية؛ على رأسهم:
- الأستاذ الدكتور علي الجعبري (رئيس معهد بحوث القطن).
- المهندسة منى عامر (مدير عام الإدارة العامة لإرشاد المحاصيل).
- المهندس حمادة عمار (مدير عام الإدارة العامة للإرشاد الزراعي) والمهندس حاتم عيسى (أخصائي المحصول).
تم خلال اليوم توجيه المزارعين لأهمية اتباع أسلوب الجني المحسن على مرتين لتقليل الشوائب والحفاظ على صفات التيلة والقيمة التسويقية. كما تم الإعلان عن تجهيز 8 حلقات لتسويق القطن بمحافظة الغربية لتبدأ أعمالها اعتباراً من 15 أكتوبر لتنظيم التسويق وحماية حقوق المزارعين.
الرد الرسمي.. هل انخفضت إنتاجية القطن حقاً؟
في كشف تفصيلي حول ما يتم تداوله على مجموعات التواصل الاجتماعي بشأن انخفاض إنتاجية القطن ومزاعم رداءة التقاوي أو المبيدات، أكد مصدر مسؤول بوزارة الزراعة (في تصريحات خاصة) أن التقاوي المعتمدة التي تنتجها الوزارة نقية بنسبة 100% تخضع لاختبارات صارمة، وأن ما يُثار حول فشل المبيدات أو التقاوي عارٍ تماماً من الصحة.
وأوضح المصدر، أن المساحات المزروعة على مستوى الجمهورية هذا العام تُقدر بنحو 200 ألف فدان، وسط توقعات بتحقيق إنتاجية إجمالية تصل إلى نحو 1.2 مليون قنطار. مشدداً على أن الحقول التي تلتزم بالتوصيات الإرشادية تحصد معدلات ممتازة تصل إلى 10 قناطير للفدان وأكثر. وفيما يخص لجوء بعض المزارعين للبيع خارج المنظومة الرسمية للتجار، أشار إلى تفضيل البعض السيولة النقدية الفورية رغم وجود منظومة الحلقات الحكومية.
شكاوى المزارعين.. تكاليف باهظة وخسائر فادحة
على المدى الميداني، تنعكس صورة أخرى مختلفة تماماً لدى بعض المزارعين الذين يعانون من تراجع العائد الاقتصادي مقارنة بحجم المصروفات:
- شهادة أحمد بدير (مزارع بالمحلة الكبرى): أكد أن إنتاجية الفدان لديه لم تصل حتى إلى 4 قناطير، معتبرًا أن الأسعار والإنتاج الحالي يمثلان “خسارة رهيبة” لا تتناسب مع تكلفة الإنتاج التي تجاوزت 25 ألف جنيه، لدرجة دفع بعض المزارعين لحرث الأرض دون جني نظراً لعدم جدوى الحصاد، مقارنة بمواسم سابقة وصل فيها الفدان إلى 11.5 قنطار بسعر متقدم.
- شهادة محمود عياد (مزارع بسيدي سالم – كفر الشيخ): أوضح أن تكلفة الفدان اقتربت من 65,000 جنيه، بينما بلغ متوسط الإنتاج قرابة 10 قناطير.
كلمة السر.. حشرة “الجاسيد” وكواليس التراجع في بعض الحقول
حول السبب الفني وراء انخفاض الإنتاجية في بعض الحقول المتضررة، يوضح المهندس عادل جميل (مهندس زراعي) أن السبب الرئيس يعود إلى حدوث فوران في تعداد حشرة الجاسيد (نطاط الأوراق)، والتي شهدت زيادة فجائية غير مسبوقة هذا الموسم عجزت المبيدات المتاحة في الأسواق عن السيطرة عليها بالشكل الكافي.
وأشار إلى أن هذا الفوران الحشري تسبب في انتشار أمراض فيروسية داخل الحقول المصابة، مما أدى بصورة مباشرة إلى ضعف الإنتاجية.
وأردف المهندس عادل جميل، أن ارتفاع حدة الإصابات تركزت بشكل ملحوظ في حقول القطن المجاورة لحقول نبات دوار الشمس، لا سيما في ظل تقصير أو قلة الاهتمام بعمليات المكافحة المتكاملة فيها.
الرؤية العلمية.. حساسية القطن للري ومقاومة آفات الثاقبة الماصة
قال الدكتور محمد فاضل (أستاذ المكافحة البيولوجية بكلية الزراعة جامعة طنطا) إن محصول القطن من المحاصيل الحساسة للري، وقد تحدث هذه الانخفاضات في الإنتاجية بسبب عدة عوامل؛ منها الآفات وخاصة الحشرات الثاقبة الماصة مثل الجاسيد، أو بسبب سوء الصرف.
وأشار د. محمد إلى اطلاعه على شكاوى من ضعف فاعلية بعض المبيدات المتخصصة على الذبابة البيضاء والجاسيد، والتي يُحتمل أن تكون هذه المبيدات مغشوشة أو أن الحشرات سجلت لها مقاومة.
وبحسب دراسات علمية متخصصة، فإن هناك أبحاثاً علمية متعددة سجلت مقاومة حشرة الجاسيد لمجموعة كبيرة من مبيدات الآفات الموجودة في الأسواق، ومنها:
- مبيدات فقدت فعاليتها تقريبًا (Resistant):
- إميداكلوبريد (Imidacloprid) ← مقاومة: 8000 (Wang 2016)
- بوبروفيزين (Buprofezin) ← مقاومة: 3200 (Zhang 2015)
- مبيدات متوسطة الفاعلية (Moderate effectiveness):
- ثياميثوكسام (Thiamethoxam) ← مقاومة: 750 (Gao 2018)
- بيمتروزين (Pymetrozine) ← مقاومة: 350 (Chen 2019)
- أسيتامبريد (Acetamiprid) ← مقاومة: 130 (Liu 2017)
- دينوتيفوران (Dinotefuran) ← مقاومة: 40 (Xu 2017)
ووفقاً لخبراء مكافحة الآفات، فإن الجاسيد يُعد من الحشرات التي تستطيع كسر مقاومة المبيدات بسرعة رهيبة بسبب سرعة دوراته الحياتية، فضلاً عن التكاثر العالي بين أفراد النوع.
نصح الخبراء بضرورة اتباع إجراءات المكافحة المتكاملة، وعند اللجوء لاستخدام المبيدات شددوا على الخلط بين المجموعات المختلفة الموصى بها على الجاسيد وفقاً لشروط الخلط العلمية، وعدم الاعتماد على مركب واحد أو مجموعة كيميائية وحيدة، حتى وإن كانت فعالة أو متوسطة الفاعلية.
خريطة طريق لإنقاذ الموسم وتعزيز العائد
لجسر الهوة بين المستهدفات الرسمية والواقع الميداني، يوصي الخبراء بضرورة:
- تكثيف الرقابة الإرشادية المبكرة: لمتابعة مكافحة الآفات (خاصة الحشرات العابرة كالجاسيد والذبابة البيضاء) وتقديم الدعم الفني للمزارعين في مراحل نمو النبات الحرجة.
- تيسير إجراءات القبض الفوري ومستحقات الحلقات: لضمان عدم لجوء المزارع للبيع بخسارة خارج المنظومة الرسمية.
- توفير مدخلات إنتاج مدعومة ومبيدات فعالة معتمدة: لتقليل تكلفة الفدان التي تثقل كاهل المزارع وتضمن
- استمرارية زراعة المحصول الاستراتيجي.

















