الإجابة أولًا: الأمن الغذائي في مصر خلال 2026 يتحرك بين تحسن الإنتاج المحلي وارتفاع الاحتياجات الاستيرادية واستمرار الضغط على الأسعار. وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة إنتاج نحو 10 ملايين طن من القمح في 2026، بينما تصل احتياجات مصر من واردات الحبوب في موسم 2026/2027 إلى نحو 29 مليون طن، منها 13.5 مليون طن قمح. وفي الوقت نفسه عاد التضخم الغذائي للارتفاع، مسجلًا 7.6% في مايو 2026.
الإنتاج المحلي يدعم الأمن الغذائي.. لكنه لا يغطي كل الاحتياجات
تعمل مصر خلال السنوات الأخيرة على زيادة الإنتاج الزراعي من خلال التوسع الأفقي والرأسي، وتحسين إنتاجية الفدان، وتطوير نظم الري والتخزين. وتستهدف خطة العام المالي 2025/2026 تجاوز المساحة المحصولية 21 مليون فدان، مع التوسع في الزراعة التعاقدية إلى نحو 1.8 مليون فدان وزيادة السعات التخزينية لصوامع القمح إلى نحو 5.5 مليون طن.
وتوضح هذه الأرقام أن الأمن الغذائي لا يعتمد على زيادة مساحة الأراضي فقط، وإنما على قدرة المنظومة على إنتاج كميات أكبر، وتقليل الفاقد، وتحسين التخزين وربط الإنتاج بالطلب.
القمح في مقدمة ملف الأمن الغذائي
يمثل القمح أحد أهم مؤشرات الأمن الغذائي المصري، ولذلك يحظى الموسم المحلي بمتابعة مستمرة من الحكومة.
وتتوقع FAO أن يصل إنتاج القمح المصري في 2026 إلى حوالي 10 ملايين طن، بزيادة تقارب 7% عن متوسط الإنتاج، مدفوعًا بشكل أساسي بزيادة المساحة المزروعة. كما بلغ ما جمعته الحكومة من المزارعين حتى منتصف يونيو نحو 4.7 مليون طن، بزيادة تقارب 20% عن الفترة نفسها من 2025.
وفي المقابل، ما زالت الواردات ضرورية لتغطية الطلب المحلي؛ إذ تقدر FAO احتياجات مصر من واردات القمح في موسم 2026/2027 بنحو 13.5 مليون طن.
المعادلة هنا واضحة:
- زيادة الإنتاج المحلي تقلل جزءًا من فجوة القمح.
- المخزون والتخزين يمنحان السوق قدرة أكبر على مواجهة التقلبات.
- الاستيراد يظل ضروريًا لتغطية الاستهلاك.
- أسعار القمح العالمية وسعر الصرف يؤثران في تكلفة توفير الاحتياجات.
واردات الحبوب تكشف حجم الفجوة الغذائية
القمح ليس السلعة الوحيدة التي تحتاج مصر إلى استيراد كميات كبيرة منها.
وتقدر FAO إجمالي احتياجات مصر من واردات الحبوب خلال موسم 2026/2027 بنحو 29 مليون طن، أي أعلى بنحو 30% من المتوسط، ويرتبط جزء مهم من الزيادة بارتفاع احتياجات الذرة المستخدمة في الأعلاف.
وهذا يضع الأمن الغذائي في إطار أوسع من سؤال «هل تنتج مصر ما يكفي من القمح؟». فالأعلاف نفسها تؤثر في تكلفة إنتاج اللحوم والدواجن والألبان، وبالتالي يمكن أن تنتقل حركة أسعار الحبوب المستوردة إلى أسعار منتجات غذائية أخرى.
الأسعار لا تتحرك بسبب الإنتاج وحده
عاد التضخم الغذائي في مصر إلى الاتجاه الصاعد خلال 2026، وسجل وفق أحدث موجز FAO المتاح 7.6% في مايو 2026.
وهنا تظهر أهمية قراءة الأسعار ضمن سلسلة الغذاء كاملة، لأن سعر المنتج النهائي يتأثر بمجموعة من العناصر:
- تكلفة المادة الخام.
- سعر الصرف.
- تكلفة الطاقة.
- أسعار الأسمدة والأعلاف.
- النقل والتخزين.
- أسعار الغذاء العالمية.
- حجم المعروض المحلي.
- تكلفة الاستيراد والتأمين والشحن.
ولهذا فإن انخفاض سعر سلعة عالمية لا يعني تلقائيًا انخفاض سعرها في السوق المصرية بالسرعة نفسها.
السوق العالمي يضيف عاملًا جديدًا للمعادلة
تأتي تحركات السوق المصرية في وقت تتعرض فيه أسواق الغذاء العالمية لتقلبات مرتبطة بالطقس والطاقة والأسمدة والتوترات الجيوسياسية.
وفي يونيو 2026، حذرت FAO من استمرار المخاطر المرتبطة بالطقس وتقلب أسعار الطاقة والأسمدة والسياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية، رغم بقاء توقعات إنتاج الحبوب العالمي عند مستويات مرتفعة تاريخيًا.
كما أشارت المنظمة إلى ارتفاع الأسعار الدولية للقمح والذرة في مايو 2026 نتيجة مخاوف مرتبطة بالإنتاج والطقس وزيادة الطلب العالمي على الواردات.
بالنسبة لمصر، أهمية هذه التطورات تأتي من حجم الاعتماد على استيراد عدد من السلع الغذائية ومدخلات الإنتاج.
الأمن الغذائي يتحول إلى إدارة منظومة كاملة
لم تعد مواجهة الفجوة الغذائية تعتمد على زيادة الإنتاج فقط، بل على إدارة السلسلة بالكامل: الإنتاج، التخزين، النقل، الاستيراد، التصنيع، التوزيع والأسواق.
وتستهدف الدولة ضمن خطة 2025/2026 مجموعة من الإجراءات المرتبطة بهذا الاتجاه، منها:
- التوسع في الري الحديث.
- رفع إنتاجية الفدان.
- تقليل الفاقد الزراعي.
- دعم الزراعة التعاقدية.
- زيادة الطاقة التخزينية للقمح.
- تنويع مصادر استيراد السلع الاستراتيجية.
- التوسع في مشروعات الاستصلاح الزراعي.
كما تؤكد الاستراتيجية الزراعية المصرية على تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وتعزيز استدامة سلاسل إمداد الحبوب من خلال التوسع الزراعي وتحسين الأصناف والإنتاج والتخزين والنقل.
ما الذي نراقبه خلال بقية 2026؟
بالنسبة لسوق الغذاء المصري، هناك مؤشرات تستحق المتابعة أكثر من أي رقم منفرد:
- الإنتاج الفعلي للقمح مقارنة بالتقديرات.
- حجم الواردات وأسعارها خلال موسم 2026/2027.
- أسعار الذرة والأعلاف وتأثيرها على البروتين الحيواني.
- التضخم الغذائي واتجاهه خلال النصف الثاني من العام.
- أسعار الطاقة والأسمدة عالميًا.
- سعر الصرف وتكلفة الاستيراد.
- قدرة التخزين المحلي على امتصاص تقلبات الأسواق.
الخلاصة
الأمن الغذائي في مصر خلال 2026 لا يمكن قياسه بنسبة الاكتفاء من محصول واحد؛ فالصورة الحقيقية تجمع بين الإنتاج المحلي والواردات والمخزون والأسعار وكفاءة سلاسل الإمداد, وبينما تتوقع FAO إنتاج مصري من القمح يبلغ نحو 10 ملايين طن، تظل احتياجات الاستيراد مرتفعة، ما يجعل زيادة الإنتاج وتقليل الفاقد وتحسين التخزين وتنويع مصادر الاستيراد محاور أساسية لاستقرار سوق الغذاء المصري.















