بعض القرارات تبدو بسيطة على الورق، لكن أثرها يمتد لسنوات.
واحد من هذه القرارات وقعه عالم زراعي كبير قبل أكثر من عقدين، ولا يعرفه كثيرون خارج دوائر البحث العلمي، وهو الدكتور عبد العظيم طنطاوي، رئيس البرنامج القومي للأرز الأسبق، ورئيس مركز البحوث الزراعية الأسبق.
أزمة الارز في الثمانينيات
في الثمانينيات، كان الأرز المصري يمر بأزمة بسبب مرض اللفحة وكانت الأصناف القديمة تحتاج وقتا طويلا يصل إلى 150 يوما لتنضج، وهذا يعني ريا لفترة أطول واستهلاكا أكبر للمياه
وترك مرض اللفحة، خاصة في عام 1984، أثرا ظل عالقا في ذاكرة وزارة الزراعة.
ثم جاء دور علماء البرنامج القومي للأرز، الذين نجحوا في استنباط أصناف تنضج مبكراً وتقاوم المرض.
السؤال الذي لم يتركه
عندما تولى طنطاوي قيادة البرنامج بعد وفاة الدكتور محمد السيد البلال، ظل سؤال واحد يشغله: إذا كانت الأصناف الجديدة تنضج مبكراً، فلماذا يستمر ري الأرز بالمواعيد القديمة حتى أكتوبر؟
مذكرة جريئة
في نهاية التسعينيات، قدم مذكرة لوزير الزراعة وقتها، الدكتور يوسف والي، تقترح إنهاء مناوبات ري الأرز في 31 أغسطس بدلاً من منتصف أكتوبر، وتطلب مخاطبة وزارة الري لاتخاذ القرار.
لكن الخوف كان حاضرا ماذا لو أوقفنا الري ثم اكتشفنا أن الأرز ما زال يحتاج الماء؟
لحظة الحسم
في الاجتماع الرسمي، تحمل طنطاوي المسؤولية كاملة. أكد أن الأرز سيدخل مرحلة الحصاد والتجفيف بحلول 31 أغسطس، ووقّع على محضر الاجتماع، بينما كان آخرون يتوقعون فشل المقترح.
النتيجة
وافق الوزير، وصدر القرار بعد التنسيق مع وزارة الري، ونجحت الفكرة. ووفّرت الدولة ملايين الأمتار المكعبة من المياه التي كان الأرز يستهلكها كل عام ونال طنطاوي لاحقا جائزة الدولة التقديرية في العلوم الزراعية، تكريماً له ولعلماء الأرز في مصر.
المعركة على المياه لا تحسم في الحقول والترع فقط، بل تبدأ في المعامل، عبر أصناف تتحمل الجفاف والملوحة، وتنضج مبكراً، وتنتج أكثر من نفس الأرض ونفس كمية الماء.















